وجوه خلف زجاج مقهى -قصص منوعة - بصمة | نلهمك لتبدع
وجوه خلف زجاج مقهى -قصص منوعة
حجم الخط :
A-
A=
A+

وجوه خلف زجاج مقهى

كان المقهى يحمل اسماً قديماً كصاحبه، "مقهى الأنداد". لم يكن مكاناً صاخباً تبثُّ في أرجائه الأغاني الحديثة، بل ملاذاً تفوح منه رائحة البُن المحمّص والهيل، وتطغى عليه حشرجة الكراسي الخشبية العتيقة وهمسات متقطعة تضيع في فضاء السقف العالي.

في الركن الأقصى، حيث تلتقي الجدران الخشبية بزاوية قائمة، كانت طاولة "عادل" الدائمة؛ طاولة مربعة نال الزمان من أطرافها، تتربع بجوار نافذة زجاجية ضخمة تشرف على الشارع العتيق. من خلف هذا الزجاج، كان عادل يرى العالم كشريط سينمائي صامت، يتدفق فيه البشر كأمواج نهرٍ لا يهدأ، بينما يجلس هو في ضفته الآمنة، متدثراً بمعطفه الصوفي ووقاره الخمسيني.

وضع النادل كوب الشاي الساخن أمامه، فارتفع البخار ليرسم غشاوة مؤقتة على الزجاج، مسحها عادل بطرف كمه، وكأنه يرفض أن يُحجب عنه المشهد. بالنسبة لعادل، لم يكن هذا الزجاج مجرد حاجز فيزيائي، بل كان فاصلاً فلسفياً بين عالمين: عالم خارجي يركض بجنون نحو غايات مجهولة، وعالم داخلي يضم ركامه الخاص، ويسعى لفهم هذا الركض.

أخرج عادل مفكرته الجلدية السوداء، وقلمه الحبر الذي أخلص له لسنوات، ونظر عبر النافذة. كانت السماء تمطر رذاذاً خفيفاً، والناس بالخارج يسرعون خطى الجري، يرفعون الياقات، ويدسون أيديهم في الجيوب. وجوه كثر، ملامح متشابهة في ذعرها من البلل، لكن عينا عادل المدربتان على التقاط التفاصيل لم تكن تبحث عن المتشابهين.

"كل وجه يمر خلف هذا الزجاج هو رواية لم تُكتب بعد،" خطَّ عادل هذه الكلمات في أعلى الصفحة الأولى، ثم أسند ذقنه على يده، وانتظر. لم يطل انتظاره، فمع اشتداد المطر، بدأت الوجوه تقترب من الزجاج، يحتمي أصحابها بإفريز المقهى الخارجي. وهنا، وعلى بعد سنتيمترات قليلة من عيني عادل، توقف الوجه الأول.

كان الوجه الأول لشابٍّ في أواخر عشرينياته. وقف تحت حافة المقهى يحتمي من المطر، لكنه لم يكن يبحث عن الدفء بقدر ما كان يبحث عن مكانٍ يلوذ فيه بكرامته الجريحة. كان يرتدي بدلة كحلية منسقة بعناية، وربطة عنق أحكم إغلاقها، وهنداماً يوحي للوهلة الأولى بأنه موظف مرموق في مصرف، أو مهندس في شركة كبرى. لكن عادل، الذي خبر شروخ النفس البشرية، لم تخدعه هذه الأناقة؛ فنظر إلى حذائه الذي غطاه الطين، وإلى يده التي تقبض بقوة مفرطة على ملف بلاستيكي شفاف يحوي أوراقاً وشهادات، كأنه يقبض على بقايا عمره.

التفت الشاب، فالتقت عيناه بعيني عادل عبر الزجاج. كانت عيناه مليئتين بـ "خيبة أنيقة"؛ ذلك المزيج المؤلم بين عزة النفس والانكسار. مسح الشاب قطرات المطر عن جبينه، ثم أخرج هاتفه المحمول، ونظر إلى شاشته بنظرة متوسلة، كمن ينتظر معجزة تأتي على هيئة اتصال أو رسالة قبول. لم يرن الهاتف. أعاده إلى جيبه ببطء، وتنهد تنهيدة عميقة اهتزت لها كتفاه، تنهيدة لخصت سنوات السهر، والمذاكرة، والركض في ردهات المؤسسات، ومقابلات العمل التي تنتهي دائماً بعبارة: "سنتصل بك لاحقاً".

فتح عادل مفكرته، وبدأ حبره ينساب على الورق ليترجم نبض هذا الوجه:

"إنه جيل الآمال المؤجلة. هذا الشاب ليس عاطلاً عن العمل فحسب، إنه عاطلٌ عن الأمل. يرتدي درع أناقته ليتفادى نظرات الشفقة في عيون أهله، ويخرج كل صباح كأنه ذاهب إلى إمبراطوريته، بينما الحقيقة أنه يذهب ليمارس مهنة الانتظار الشاقة على أرصفة الخيبات."

التقط عادل نظرة الشاب الأخيرة إلى الملف الشفاف قبل أن يقرر المضي في المطر غير آبه بالبلل، كأن المطر أصبح أهون عليه من الوقوف بلا جدوى. تحرك الشاب، واختفى جسده الممشوق بين زحام المارة، تاركاً خلفه على الزجاج بقايا أنفاسه التي تبخرت سريعاً، لكنها تركت في نفس عادل أثراً لا يُمحى.

أدار عادل رأسه عن النافذة قليلاً، ليريح عينيه من ركض العابرين، واستقرت نظراته على تفاصيل المقهى من الداخل. تنفس الصعداء وهو يرى أن "مقهى الأنداد" لا يزال يحتفظ برصانته، بعيداً عن صخب المقاهي الحديثة. لكن، حتى هنا، كانت خطوط الزمن والتحولات الاجتماعية ترسم لوحاتها الخاصة.

على بعد طاولتين منه، كانت الطاولة رقم "سبعة" تحظى بخصوصية غريبة؛ طاولة دائرية صغيرة، يغطيها مفرش قماشي مقلّم، يجلس إليها رجل مسنّ، تجاوز السبعين من عمره يقيناً. كان يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً، عتيق الطراز لكنه نظيف للغاية، ويزين رأسه بقبعة صوفية دافئة تحمي شيبته.

المثير في أمر هذا الشيخ، والذي جعل قلم عادل يستنفر، هو أنه لم يكن يجلس بمفرده تماماً. كان يطلب دائماً من النادل أن يضع أمامه كوبين من الشاي، لا كوباً واحداً. وضع الشيخ كوباً أمامه، والكوب الآخر في الجهة المقابلة للمقعد الفارغ. رآه عادل وهو يبتسم للكوب الفارغ، ويحرك شفتيه بكلمات هامسة، كأنه يتبادل أطراف الحديث مع جليس خفي لا يراه سواه. كانت أصابعه المرتجفة، المليئة ببقع العمر البنية، تداعب حافة الكوب الساخن، بينما وعاء روحه يفيض بحنين جارف.

غمَس عادل ريشة قلمه في حبر التأمل، وكتب:

"ثمة غياب يملأ المكان أكثر من أي حضور. هذا الشيخ لا يعاني من الوحدة؛ إنه يعاني من فجيعة الوفاء في زمن النسيان. الكوب الثاني ليس وهماً، بل هو جسر سري يربطه بزوجة رحلت، أو صديق غيبه الموت، أو ربما بابنٍ سافر خلف لقمة العيش ونسي أن أباه يشيخ هاهنا في انتظار أربعاء آخر."

امتدت يد الشيخ لترتشف من كوبِهِ، ثم نظر إلى الساعة المعلقة على جدار المقهى الخشبي. تنهد، ومسح بطرف منديله القماشي دمعة حائرة كادت أن تضل طريقها بين تجاعيد خديه. لم يكن يبكي ضعفاً، بل كان يبكي تقديساً لتلك الذكرى التي يرفض أن تموت.

في هذه الأثناء، انفتح باب المقهى الخارجي بقوة، لتدخل نبرة مغايرة تماماً كسبت انتباه الجميع. الذين دخلوا المقهى كانوا أربعة؛ شابّان وشابتان في مقتبل العمر، يبدو من مظهرهم أنهم طلبة جامعيون. جلبوا معهم إلى رصانة المقهى نفحة من حيوية الخارج، ونفضوا عن معاطفهم قطرات المطر وهم يضحكون بصوت مسموع، قبل أن يختاروا الطاولة الكبيرة المستطيلة المواجهة تماماً لزاوية عادل.

توقع عادل، الذي استبشر خيراً بملامحهم الشابة، أن تمتلئ جنبات المقهى بجدال فكري ثري، أو بنقاش صاخب حول كتاب، أو حتى بتبادل بهيج لأخبار يومهم. لكن ما حدث كان مغايراً تماماً، وصادماً لعين المراقب. بمجرد أن جلسوا، وقبل أن يطلبوا ضيافتهم، حدثت "الهجرة الجماعية الكبرى".

دون أن ينطق أحدهم بكلمة، أخرج الأربعة هواتفهم الذكية دفعة واحدة. غيبت الشابة الأولى وجهها خلف الشاشة المضيئة، وانحنى الشاب الذي بجانبها بظهره ليدخل في عالم آخر، وبدأت أصابع الجميع تتحرك بسرعة وجنون على الزجاج الصقيل لهواتفهم.

ساد صمت غريب؛ صمت مصطنع وموحش. كانوا يتجاورون بالأجساد، لكن أرواحهم كانت مشتتة في فضاءات رقمية تبعد آلاف الأميال. تناغم صمتهم مع لمعان الشاشات الأزرق الذي انعكس على وجوههم الشابة، فبدوا لعادل كأشباح مستسلمة لتنويم مغناطيسي جماعي.

شعر عادل بوخزة في قلبه. فتح مفكرته بعصبية تظهر في حدة خطوطه هذه المرة، وكتب:

"يا لها من مفارقة موجعة؛ الشيخ على الطاولة المجاورة يصنع من الغياب حضوراً دافئاً بكوب شاي ثانٍ، وهؤلاء الشباب يصنعون من الحضور غياباً بارداً بقطع مستطيلة من البلاستيك والزجاج. نحن نعيش عصر الاغتراب التكنولوجي الأكبر، حيث بات البشر جيراناً في المكان، مغتربين في الشعور. لقد تبلدت الأحاديث، وماتت اللهفة في العيون، وأصبحنا نتبادل الرموز الصماء بدلاً من نبرات الصوت الدافئة."

مرت نصف ساعة كاملة، ولم يتبادلوا فيها سوى بضع كلمات مقتضبة لإرشاد النادل عن طلباتهم، ثم عادوا فوراً إلى صومعاتهم الرقمية. كان عادل يتأمل هذا المشهد بأسى، حتى كسر رتابة هذا العزف الصامت صوت قوي ومفاجئ قادم من الشارع، خلف الزجاج مباشرة.

ارتفع بالخارج صوت كبح جماعي مفاجئ لعجلات سيارة، تلاه صوت ارتطام قوي ومكتوم، ثم تعالت صرخات المارة متداخلة مع انهمار المطر. في تلك اللحظة، حدث تحول عجيب داخل المقهى؛ الشباب الأربعة الذين كانوا مغيبين في شاشاتهم رفعوا رؤوسهم دفعة واحدة بذعر، والشيخ المسنّ ترك كوبه المرتجف والتفت بنظره نحو المصدر، أما عادل فقد وقف لا شعورياً مدفوعاً بحسه الإنساني.

التصقت الوجوه بزجاج المقهى من الداخل. بالخارج، على الرصيف المقابل تماماً وتحت المطر الغزير، كانت الفتاة الشابة (التي تبيع الكتب والمناديل وتناضل لأجل كرامتها عند الناصية) قد سقطت أرضاً بعد أن صدمتها سيارة مسرعة فرّ صاحبها هارباً. تناثرت بضاعتها، وامتزجت أوراق الكتب بماء المطر والطين، بينما كانت تحاول النهوض دون جدوى، ممسكة بقدمها وتئن من الألم وسط وجوم المارة الذين اكتفى بعضهم بالمشاهدة، وبعضهم الآخر بإخراج هواتفه لتصوير المشهد!

هنا، شعر عادل بشيء يهتز في أعماقه. نظر إلى الزجاج الضخم الذي يفصله عن الواقع، فرآه في تلك اللحظة كأنه جدار من الأنانية والجبن الفكري. التفت إلى مفكرته المفتوحة وقلمه الحبر، فبدا له التنظير والكتابة في هذه اللحظة ترفاً لا معنى له إن لم يتبعه موقف.

"تباً للكلمات إن لم تحمِ إنساناً من البرد، وتباً للأقلام إن اكتفت برثاء الضحايا دون مد يد العون!" ألقى عادل بقلمه على الطاولة، ولم يبالِ بمعطفه الصوفي. تحرك بسرعة ولم يعهدها جسده الخمسيني، ودفع باب المقهى الخارجي بقوة ليمزق حاجز الصمت والحياد.

اندفع إلى وسط الشارع تحت المطر المنهمر، وتبعته خطى النادل وبعض رواد المقهى الذين أيقظت فيهم شجاعة هذا الرجل الخمسيني نخوتهم النائمة. انحنى عادل على الفتاة، وبكثير من الأبوة والوقار، ساعدها على النهوض بينما قام الآخرون بجمع ما تبقى من كتبها المبتلة.

أدخلوا الفتاة إلى دفء المقهى، وأجلسوها على مقعد مريح. غسل المطر وقار عادل، لكن عينيه كانتا تشعان ببريق مختلف؛ بريق الإنسان الذي رفض أن يظل مجرد "مشاهد" في مسرح الحياة.

جلس عادل مجدداً إلى طاولته وهو يلهث، والماء يقطر من شعره. استقرت الفتاة الشابة في ركن دافئ بعد أن قُدمت لها الإسعافات الأولية، وجلس الشباب الأربعة يتحدثون إليها في محاولة جادة للاطمئنان عليها، تاركين هواتفهم مقلوبة على الطاولات دون اهتمام. حتى الشيخ المسن، نظر إلى عادل بابتسامة وقار بدت كأنها مكافأة سماوية على ما فعل.

نظر عادل إلى مفكرته الجلدية السوداء التي جفت صفحاتها، والتقط قلمه الحبر الذي تركه قبل دقائق ليركض نحو الشارع. مسح الزجاج الذي تكثف عليه بخار الأنفاس والحكايات، ولم يعد يرى الشارع كشريط سينمائي صامت، بل رآه امتداداً لروحه. تطلع إلى الوجوه التي عبرت والتي لا تزال تعبر، وخطّ بيده في الصفحة الأخيرة كلمات الختام بنبرة فلسفية بليغة:

"لقد علمتني هذه الأمسية أن الحياة لا تُفهم من خلف الزجاج، ولا تُعاش بالمراقبة والتنظير. إن الوعي دون موقف هو مجرد عزلة مقنّعة. كلنا وجوه عابرة خلف زجاج هذه الدنيا، نراقب ونُراقَب، ننتظر ويَنتظرنا آخرون. لكن العِبرة ليست في كمَّ القصص التي نرصدها، بل في الأثر الذي نتركه حين نقرر أخيراً أن نكسر جدار الحياد البارد، ونمد أيدينا لنرمم انكسارات الآخرين."

أغلق عادل مفكرته، وألبس قلمه غطاءه هاتفاً في سره بـآمين صامتة على عمرٍ مضى وعمرٍ يرجو أن يكون أكثر التحاماً بالإنسان. أشار إلى النادل، دفع حسابه، وارتدى قبعته. لم يعد عادل يخشى المطر بالخارج؛ فقد أدرك أن البلل الحقيقي هو جفاف القلوب، وأن الدفء لا يمنحه معطف صوفي، بل تمنحه المواقف التي تجعلنا بشرًا حقاً.

فتح الباب، وخطا خطوته الأولى في الشارع، ليصبح هو الآخر.. وجهاً نبيلاً يمر خلف زجاج مقهى.

 

أضف تعليق